اطبع العرب يخسرون 5 مليارات دولار سنويا بسبب عدم تدوير المخلفات   (12-02-2009)
تشكل نسبة كبيرة من الاستثمارات الصناعية في الدول الكبري
تحقيق - شيماء عثمان ومحمد محمود:


يعاني العالم كله في الوقت الحالي من مشاكل بيئية متعددة بسبب التطور الصناعي خاصة في مجال النفط والصناعات الثقيلة بالإضافة إلي الأنشطة الاقتصادية المختلفة وينتج عن كل ذلك مخلفات سائلة أو صلبة أو غازية يكون لها تأثيرها المباشر علي اختلال التوازن البيئي وارتفاع درجة حرارة الأرض وغيرها من الآثار التي تعاني منها البشرية كلها.
والأمر لا يتوقف عند المشاكل البيئية ولكن تؤكد الدراسات أن العرب يخسرون مبالغ طائلة بسبب عدم الاتجاه إلي إعادة تدوير المخلفات للاستفادة منها بالإضافة إلي حماية البيئة من آثارها السيئة.
وقد قدرت دراسة اقتصادية حجم خسائر الدول العربية الناجم عن تجاهلها إعادة تدوير المخلفات بنحو 5 مليارات دولار سنويا، موضحة أن كمية المخلفات في الوطن العربي تبلغ نحو 89،6 مليون طن سنويا وتكفي لاستخراج نحو 4،3 مليون طن ورق بقيمة 2 مليار و145 مليون دولار وإنتاج 1،8 مليون طن حديد خردة بقيمة 135 مليون دولار بالإضافة لحوالي 75 ألف طن بلاستيك قيمتها 1،4 مليار دولار، فضلا عن 202 مليون طن قماش بقيمة 110 ملايين دولار وكذا إنتاج كميات ضخمة من الأسمدة العضوية والمنتجات الأخري بقيمة تتجاوز مليارا و225 مليون دولار.
وذكرت الدراسة التي أعدها الدكتور أحمد عبدالوهاب - الحائز علي جائزة مجلس الوزراء العرب المسئولين عن البيئة - أن الخسائر العربية من إهمال تدوير المخلفات لا تتوقف عند حد قيمة المنتجات التي يمكن الحصول عليها من عمليات التدوير وإنما تمتد إلي تكلفة دفن هذه المخلفات ومقاومة الآفات والحشرات الناتجة عنها، موضحة أن الدول العربية تنفق في هذا المجال نحو 2،5 مليار دولار سنويا لمقاومة الأضرار الناتجة عن حوالي 1353 مليون طن من المخلفات الحيوانية و196،5 مليون طن من المخلفات الزراعية مقابل 18870 مليون متر مكعب من مياه الصرف الصحي، مشيرة إلي أن إجمالي ما يتم جمعه من هذه المخلفات لا يوازي سوي 50% من حجمها وأن تكلفة جمع ودفن هذه المخلفات تتجاوز 850 مليون دولار، فضلا عن 1،7 مليار دولار أخري لمقاومة الآثار الصحية والنفسية لتلك المخلفات.
ووصفت الدراسة الاستثمارات العربية الموظفة في مجال تدوير المخلفات بصفة عامة والصلبة بصفة خاصة بأنها متواضعة ومحدودة ولا يتجاوز حجمها 200 مليون دولار وأن معظم هذه المشروعات لا تتجاوز كونها محاولات فردية وبإمكانات ضعيفة في الوقت الذي يجب فيه إنشاء صناعة متكاملة وقوية قادرة علي إعادة تدوير المخلفات والاستفادة مما تنتجه من ورق وزجاج وأسمدة وبلاستيك ومواد أخري يمكن إدخالها كمستلزمات إنتاج في صناعات عديدة.
وأن صناعة تدوير المخلفات باتت من أهم الصناعات الواعدة في العالم حيث تستحوذ علي 28% من إجمالي الاستثمارات الصناعية في الولايات المتحدة الأمريكية و23% في بريطانيا و35% في ألمانيا.
واقترحت الدراسة تأسيس شركة عربية قابضة برأس مال 300 مليار دولار لتدوير المخلفات وكذلك تبني طريقة متحضرة لجمع المخلفات تمهيدا لإعادة تدويرها فضلا عن تشجيع الدخول في مجال الاستثمار في تدوير المخلفات ودعم التجارب الفائمة في هذا القطاع والاستفادة من التجارب الناجحة للدول المتقدمة في هذا المجال.


من أولويات القمة
ويوضح حسن زكي حسن - رئيس الاتحاد العربي للبلاستيك - أن مشروعا قوميا لتدوير المخلفات والاستثمار فيها دعوة نادي بها الاتحاد العربي لسنوات عديدة مضيفا أنه تقدم بالمشروع لمجلس الوحدة الاقتصادية والجامعة العربية ومن ثم تم عرضه ضمن أولويات القمة الاقتصادية الأخيرة بالكويت، منوها إلي أن المشروع يهدف إلي جمع المخلفات خاصة بقايا البلاستيك حيث يعاد تدويرها للحصول علي مواد خام أولية، فنحن نسعي لجمع كل ما يوجد في الشارع من مخلفات بطرق جمع حديثة ويتم تدويرها بآلات ومعدات حديثة صديقة للبيئة تجعل هذه المخلفات صالحة للاستخدام الطبي والغذائي، والهندسي - مضيفا أن هذا المشروع يتم الإعداد له منذ عشرين عاما تقريبا وتم عمل دراسات جدوي له تكلفت ما يقرب من 5 ملايين جنيه، فالمشروع عربي ونأمل في أن تتبناه أي دولة عربية، مشيرا إلي أن المشروع واجهته مشاكل خلال الـ 20 عاما الماضية ولم نتلق من الحكومة خاصة الحكومة المصرية سوي كلمات ترحيب وشهادات تقدير تؤكد أهمية دراسات الجدوي المعدة ولكن التنفيذ علي أرض الواقع لم يحدث والمشكلة الرئيسية في مثل هذا المشروع هي التمويل لأن المشروع ضخم ويحتاج إلي استثمارات كبيرة.


منوها إلي أن ملامح التكامل التي يهدف إليها مشروع تدوير المخلفات والاستثمار فيها هي اختيار دولة عربية تتبني تنفيذ المشروع علي أرضها بشرط منح الأرض للمستثمرين مجانا ومنح إعفاء جمركي للمعدات التي سيتم استيرادها من الخارج، كما أننا نطالب حكومة الدولة التي ستتبني المشروع بمنح المشروع إعفاء ضريبيا لمدة 20 عاما، منوها إلي أن المشروع سيعمل علي تشغيل عمالة كثيرة للدولة التي يقام عليها المشروع، إلي جانب إنتاج خامات وتصديرها لجميع الدول العربية، مشيرا إلي أن المشروع يحتاج إلي عدد من المستثمرين العرب، فالقضية تحتاج إلي الشجاعة لأن معظم رجال الأعمال إما متخوفون من الغامرة في مثل هذا المشروع لأنه يحتاج إلي استثمارات ضخمة، وإما يرفضون العمل في قطاع المخلفات من منطقة الوجاهة الاجتماعية علي الرغم من المكاسب الكبيرة المتوقعة منه فالمخلفات استثمار ناجح أرباحه تتجاوز نسبة 500%.
مشروع شعوب
ويري جورج فلتس - صاحب مجموعة فلتس جروب الوطنية للصناعات البلاستيكية - أن المستثمر العربي مقلد وليس مبتكرا ينتظر رؤية نجاح تجربة ما ثم يسعي لتقليدها ومن هذا المنطلق نحن في حاجة إلي تجربة رائدة ومستثمر يقوم بأخذ المبادرة في مثل هذا المشروع، مضيفا أنه وبالتعاون مع وزارة البيئة قام بعمل مشروع لتدوير المخلفات وهو الأول من نوعه في منطقة الشرق الأوسط بتكلفة 50 مليون جنيه، مشيرا إلي أن مشروع كهذا يحتاج إلي تعاون كل الجهات المسئولة والبداية بالمستهلك فهو يحتاج إلي توعية من وزارات البيئة في كل الدول العربية، منوها إلي أن تدوير المخلفات مشروع شعوب وليس مشروع حكومات، فالبداية جمع المخلفات بأسلوب حضاري مثلما يحدث في أوروبا منذ خمسين عاما وباقي الخطوات من تدوير وتصنيع تعتبر أيسر بعد الفرز الجيد في المنازل.
فيما يوضح ألفريد حبيش - رئيس مجلس إدارة شركة جيتس للأعمال الهندسية - أن الدول الأوروبية استطاعت تحقيق تطور هائل في مشروعات تدوير المخلفات، حيث تشكل صناعة تدوير المخلفات ما يقرب من ربع الاستثمارات الصناعية لديها علي عكس ما يحدث في العالم العربي، مضيفا أن البداية في مثل هذه المشروعات تأتي من سلوكيات المواطن ففي ألمانيا علي سبيل المثال يوجد أمام كل منزل ثلاثة صناديق للقمامة أحدهم للحديد والثاني للكرتون والثالث للبلاستيك ومن هذا المنطلق يتم جمع المخلفات بطريقة سهلة وآمنة.
ويشير حبيش إلي خطورة المخلفات الصلبة خاصة وأن بعضها غير قابل للتدوير ولذلك يتم التخلص منها عن طريق دفنها بشروط خاصة حتي نتتهي خطورتها علي الإنسان والحيوان.
وقد أثبتت الدراسات أن تأثيراتها السلبية تفوق تلك الناتجة عن المخلفات الزراعية والقمامة، منوها إلي أن تدوير المخلفات الصلبة له فوائد عديدة وهذه الفوائد تتمثل في إنتاج العديد من المواد الخام اللازمة لصناعات عديدة إلي جانب الحصول علي عائد مادي كبير جدا.
ويوضح حبيش إمكانية حدوث تكامل عربي في مجال تدوير المخلفات بأنواعها المختلفة حيث توجد دول مثل الكويت والإمارات وتونس تمتلك الثروة وتمتلك نسبة كبيرة من المخلفات سهل جمعها ولكن ما ينقصهم عدم وجود اهتمام، كما تقوم بعض الدول بالاستعانة بشركات أجنبية لجمع هذه المخلفات وتصديرها ومن ثم وبدلا من هذه الفوضي يمكن الاستعانة ببعض الدول العربية التي تمتلك الخبرة في هذا القطاع ويمكن إنشاء مشروع عربي قومي للتدوير تشرف عليه مجموعة من المستثمرين العرب العاملين في هذا المجال.


جامعو القمامة
وينوه محمد حامد عامر - صاحب أحد مصانع البلاستيك - إلي أن الدول العربية تمتلك الخبرات في مجال تدوير المخلفات ولكن المشكلة في الاستثمارات المتاحة في هذا المجال، مضيفا أن هناك بعض المشروعات في هذا القطاع علي المستوي الإقليمي ولكن ليست بصورة كبيرة فهي محاولات فردية لبعض الدول العربية، مشيرا إلي أن مشكلة مثل هذه الاستثمارات لا تتمثل في الخبرات أو المعدات والآلات المستخدمة إنما المشكلة الرئيسية تتمثل في جامعي القمامة لأنهم يمثلون منظمة خطيرة يصعب لرجال الأعمال التعامل معها.
ويبدي حامد تفاؤله من إمكانية حدوث تعاون بين رجال الصناعة العرب فالحوافز للاستثمار موجودة ولكن المشكلة في المعادن والآلات المستخدمة فنحن نأمل أن تشهد الفترة المقبلة وجود صناعات عربية لهذه الآلات خاصة وأن الخبرات متوافرة حتي وإن كانت خبرات مستوردة.
ويوضح مجدي صبحي - خبير الطاقة بمركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية - أنه يمكن تحقيق استفادة اقتصادية من المخلفات عن طريق توليد الطاقة الممثلة في غاز الميثان حيث يتم استخلاص هذا الغاز من القمامة ويصبح بعد ذلك صالحا للاستخدام.
مضيفا أن هذه الفكرة يتم العمل بها في دول أوروبية عديدة ومنذ سنوات بعيدة وفي مصر يتم التفكير في هذا المشروع منذ فترة حيث كانت الفكرة قائمة علي إنشاء مركز لتوليد الطاقة من القمامة بجانب كل مقلب حتي يغطي جزءا من احتياجات المنطقة من الطاقة.
ويستبعد صبحي إمكانية تحقيق فكرة توليد الطاقة من القمامة وهي الدعوة التي نادت بها القمة الاقتصادية مؤخرا، خاصة وأن العرب ليست لهم نظرة مستقبلية عميقة يمكن من خلالها تقييم القضايا بصورة موضوعية، وعلي الرغم من معرفة الجميع بحتمية تناقص احتياطات البترول مع مرور السنوات نتيجة لاعتماد الكثير من الصناعات التحويلية والتي تدخل في تركيب كثير من المنتجات مما يعني حتمية البحث عن حلول معقولة مثل الطاقة البديلة ويمكن للطاقة الناتجة من المخلفات أن تساهم في هذا الحل عن طريق المعالجة بالتدوير.
وعلي الجانب الآخر يوضح محمد ناجي - رئيس مركز حابي للحقوق البيئية - أن القضايا البيئية دائما ما تأتي في ذيل اهتمامات المسئولين عن القمة الاقتصادية في الدول العربية، مؤكدا أهمية فكرة تدوير المخلفات ودعوة رجال الأعمال العرب للاستثمار فيها حيث تعد من الصناعات المهمة ذات العائد الاقتصادي بالإضافة إلي دورها في المحافظة علي البيئة، ومن ثم لابد من معالجة هذه المخلفات بالتدوير خاصة مع النمو المتلاحق والسريع في أعداد السكان وتحسن مستوي دخل الأفراد وتزايد مشاريع التنمية الصناعية والأنشطة الاقتصادية في البلاد العربية وهو ما أدي في النهاية إلي ظهور العديد من السلوكيات البيئية السلبية لبعض الأفراد.
خاصة أن الوضع في الوطن العربي سيئ للغاية ويحتاج إلي عمل تكامل عربي في المنطقة خاصة وأن الدول التي تمتلك الأموال تستطيع عمل مدافن صحيحة، أما الدول التي يوجد لديها مشاكل بيئية متفاقمة بصورة كبيرة فهي قد لا تمتلك الأموال اللازمة للأصلاح مثل الوضع في دول مصر وسوريا والأردن ومن هذا المنطلق يمكن إنشاء صندوق عربي خاص للبيئة يقوم بعمل خطة سنوية يضع من خلالها الآليات والأولويات المطلوبة والعمل علي حل المشاكل المتعلقة بهذا القطاع في الدول العربية.


ورقة عمل سودانية
يقول بشير الجيلي أحمد المستشار الاقتصادي لسفارة السودان أن السودان قدم ورقة عمل خلال القمة الاقتصادية بالكويت توضح كيفية الاستغلال السليم للمخلفات وإعادة تدويرها لكي تحول الضرر الناتج عن تلك المخلفات إلي عائد مادي.. ويتم ذلك باستخدام التقنيات الحديثة للفرز والتدوير والعمل علي إنتاج طاقة من هذه المخلفات وهذا ينتج من حرق المخلفات التي ينتج عنها بخار أو غاز الميثانول الذي تعتبر أضراره قليلة جدا علي البيئة.
ويضيف الجيلي انه يمكن استخراج علف وأسمدة عضوية خاصة أن معظم الدول العربية قد تأثرت مؤخرا بفقر في التربة والزحف الصحراوي.
ويوضح أيضا أن تكلفة هذا المشروع تتراوح بين 300: 400 مليون دولار بحيث يكون مشروعا متكاملا ينتج طاقة وأسمدة وعلفا وغيره ويستطيع هذا المشروع أن يدور 500 طن من المخلفات في اليوم الواحد.. ومن الممكن أيضا إنشاء مشروع تدوير لإنتاج الأسمدة فقط بتكلفة 50 ألف دولار فقط.
ويجب علي المستثمرين والباحثين ورجال الأعمال المشاركة في هذا المشروع بالتمويل المادي وعمل الأبحاث والدراسات حتي تصل إلي نتائج جيدة.
وتوضح الدكتورة أميمة الصوان بوزارة الدولة لشئون البيئة الأهمية الاقتصادية للمخلفات الزراعية طبقا للدراسات التي أجريت بالمراكز البحثية بوزارة الزراعية، مضيفة أن قيمة محتويات المخلفات الزراعية من المكونات العضوية والمعدنية تعادل 3 مليارات جنيه سنويا هذا غير الأضرار الناتجة عن حرق تلك المخلفات من تلوث للبيئة والتربة ويؤدي الحرق إلي تدهور محاصيل الخضر ويؤدي الحرق أيضا إلي القضاء علي الطيور صديقة الفلاح بجانب حوادث السيارات التي تنتج بسبب السحابة السوداء.
وتضيف الدكتورة أميمة الصوان أن الاستفادة الاقتصادية لا تقتصر علي المخلفات الزراعية فقط بل تقسم المخلفات إلي عدة أنواع منها مخلفات بلدية وتنتج مصر منها حوالي 15 مليون طن سنويا، والهدم والبناء التي يصل انتاجها إلي 4 ملايين طن سنويا أما المخلفات الصناعية فهي تصل إلي 5 ملايين طن سنويا أما مخلفات الترع والمصارف فتصل إلي 29 مليون طن سنويا ويأتي بعدها المخلفات الزراعية بنصيب 23 مليون طن وإذا جمعنا هذه الأرقام يتضح لنا أن كمية المخلفات الصلبة في مصر تصل إلي 60 مليون طن سنويا وهذه النسبة في زيادة مستمرة لأنها ترتبط بالزيادة السكانية وتتلخص هذه المشكلة في غياب المنهج العلمي لإدارة المخلفات بالإضافة إلي نقص الإمكانيات.
مع عدم كفاية الموارد المالية لتحقيق مستوي الخدمة المطلوب بجانب انخفاض الوعي البيئي مع قلة الاستثمار في هذا المجال رغم أن أرباح هذا المشروع خالية حيث يتم الحصول علي المواد الخام بأسعار منخفضة جدا.


اطبع